صديق الحسيني القنوجي البخاري
493
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال أكثر المفسرين هو طواف المشركين بالبيت عراة وبه قال ابن عباس والسدي ومحمد بن كعب ، وقيل هي الشرك قاله عطاء ، والظاهر أنها تصدق على ما هو أعم من الأمرين جميعا ، والمعنى أنهم إذا فعلوا ذنبا قبيحا مبالغا في القبح اعتذروا عن ذلك بعذرين : الأول : قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا أي : أنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم وتقليدا لما وجدوهم مستمرين على فعل تلك الفاحشة ، والثاني : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها أي إنهم مأمورون بذلك من جهة اللّه سبحانه ، وكلا العذرين في غاية البطلان والفساد لأن وجود آبائهم على القبيح لا يسوغ لهم فعله بل ذلك محض تقليد باطل لا أصل له والأمر من اللّه سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء بل أمرهم باتباع الأنبياء والعمل بالكتب المنزلة ، ونهاهم عن مخالفتهما ومما نهاهم عنه فعل الفواحش . ولهذا ردّ اللّه سبحانه عليهم بأن أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم فقال قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ فكيف تدعون ذلك عليه قال قتادة : واللّه ما أكرم اللّه عبدا قط على معصيته ولا رضيها له ولا أمره بها ، ولكن رضي لكم طاعته ونهاكم عن معصيته ، والحاصل أن الأمرين باطلان لأن الأول تقليد للرجال والثاني افتراء على ذي الجلال . وفي الجمل : ردّ عليهم في المقالة الثانية ولم يتعرض لردّ الأولى لوضوح فسادها لما هو معلوم أن تقليد مثل الآباء ليس بحجة . ثم أنكر عليهم ما أضافوه إليه فقال أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وهو من تمام ما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يقول لهم وفيه من التقريع والتوبيخ أمر عظيم ، فإن القول بالجهل إذا كان قبيحا في كل شيء فكيف إذا كان في التقول على اللّه . وفي هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر ، وأبلغ واعظ للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق ، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق فإنهم القائلون إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] والقائلون وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها . والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب مع اعتقاده بأنه الذي أمر اللّه به وأنه الحق لم يبق عليه ، وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية والنصراني على النصرانية ، والمبتدع على بدعته ، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية أو البدعة وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر اللّه به ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب ، ولا بحثوا عن دين اللّه كما ينبغي ، وهذا هو التقليد البحت ، والقصور الخالص . فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية أنا لك النذير المبالغ في